هنا دمشق .. المدينة المحروسة بالله
دمشق : ساحة الأمويين ، خيمة أهل الشام
صباح الخميس 24/11/2005
وجوه دمشقية خارجة للتو من رحم الفجر .. تُعلن للشمس ولاءها ..
بشاراتٌ بصبح جديد.. اتفقوا معاً أن يجمعوا كل الياسمين المتساقط من أسوار المدينة وأن ينثروه على سندس طرقاتها ..
حبّات توت شامية .. انتبهوا ما زلنا نقول الشام حين نتحدّث عن دمشق ..
يعزفون قصة البلد .. يرقصون كلّ الحكايات .. يخلقون للعرس فرحاً ورقصاً وحلوى .. وعزّاً للعريس .. يولدون ويحلمون ويطمحون ويفعلون ويحكمون .. ويعلنون الوحدة بين الحب والوطن ..
في عروقهم يجري وجعٌ مقدّس .. حبٌّ مقدّس .. بوحٌ مكتظٌّ بأبجدية جسد ..
ماذا يمكن أن يحمل هؤلاء لمدينة يعشقونها ..
اتفقوا أن يكونوا المطر لا انتظاره .. أن يكونوا الماء لا عطشه ..
اتفقوا أن ينثروا طقوسهم فوق أرواحنا .. أن يلجوا عتبات الدهر ويطرقوا بوابة المصير ..
قرؤوا وجه الزمان .. نثروا فوق ذاكرتنا ماء الورد الجوري ـ ما زال الجوري يُدعى في عواصم العالم " الوردة الدمشقية " ـ فكيف لا تكون دمشقنا عاصمة للحب ؟..
الشام .. شامة كلّ زمان .. المدينة المحروسة بالله ..
هي الشام .. حالةٌ تشبه النور، بسمةٌ طبعت في فم الدهر ، ودمعةٌ سبحت في البلاد ..
هي الشام .. حكايةُ عشقٍ وشوقٍ وورد ، ولونٌ عتيق في لوحة الخالق ..
هي الشام .. الهاجعة على سريرها تتطلع عبر شقوق ذاكرة عميقة الأغوار مترامية المسافات إلى حيث تلتمع عيون أبنائها .. تنداح كبردى ، تنهض من غفوة الحلم ، تفتح مقلتيها بانبهار ، تنظر النـار التي تقترب منها .. وتصرخ :
ـ أرأيتم إلى قطرة الندى على وجه الوردة .. إلى جناح العصفور يسـتفيق فوق غصن مرعش .. هيه يا من تبقى من وجوه محفورة بدمي .. هل من مجيب ؟..
تتطلع الوجوه : " لكِ يا شـام كل ما تشتهين .. فأنت في كل أرض وقفة ورجال ، وفينيقك ما زال يغذي الجنوب بشريانه والشمال .. " .
ينتصب قاسيون من شرفته محيياً المدينة .. وتتفتح الأضاليا لتشهد دموعاً في عيون الأرض الطيبة ..
تنظر دمشق إلى جهات الأرض الأربع وتسأل :
ـ من هؤلاء ؟.. وماذا يطلبون ؟..
تجيب العيون التي ترقب صحف الصباح وشاشات المساء :
" وجوه ناطقة بالحقد هؤلاء .. ملامح تخفي ما لا نرضاه هؤلاء ..
يطلبون استهلاك أرواحنا وكأنها أرواح للعناكب .. لا أرواح للآلهة ..
يطلبون تحويل الذاكرة إلى خراب والذكريات إلى رماد .. يريدون فيه إقناعنا بأن التاريخ غادر الشرق .. يريدون منا أن نأتي بمطرقة ونهوي بها على عظام ذاكرتنا .. وهم لم يقرؤوا سبعة آلاف عام مغروزة فينا حتى النخاع ..
يتهموننا بالعروبة ، وكأنهم يملكون عبر تاريخهم جدّاً كيعرب بن قحطان أو كنوح أو جدّة تشـبه جوليا دومنا أو عاصمةً كدمشق .. يطلبون ما لا يُطلب .. يريدون ما لا يُراد ..
يُبشـرون بغدٍ أفضل .. ويستعملون كل ما هو ملتوٍ .. الطرقات والكلمات ( خارطة الطريق .. الشرق الأوسط الجديد .. الفوضى المنظمة .. ا ل د ي م و ق ر ا ط ي ة ) ..
لا يعلمون أن البرهة تمضي وأنك أنت أمّ الزمان .. وأنك أنت دمشق الأم والقبلة والمرتجى ولكِ حبات القلوب .. " .
تُفرد دمشق ذراعيها معلنةً بدء النهار :
ـ وجوهكم الأصالة .. ملامحكم خلاصة التاريخ .. أما قلوبكم ـ التي لا يملكون ـ فمترعة بأريج الشيح والنرجس والخزامى والزعتر والزيزفون .. بدايتكم أول الطريق ونهايتكم نهاية الجهات .. أنتم سادة العطر والجمال .. الله أكبر وعلى الأرض السلام ..
ناجي درويش